مشاهدة النسخة كاملة : الاقتصاد أولا في مستقبل العلاقات الليبية الأوروبية


عابر السبيل
20-08-2009, 23:20
مشهور إبراهيم أحمد*



بانتهاء أزمة الممرضات البلغاريات زالت بقية المعوقات أمام إقامة علاقات طبيعية بين ليبيا والعالم الغربي وأوروبا تحديدًا؛ فمنذ 8 سنوات وتلك الأزمة حاضرة في كل اللقاءات التي تمت بين مسئولين ليبيين وغربيين، ويكفي للتدليل http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1186558283744&ssbinary=trueعلى أهمية تلك القضية الإشارة إلى ما ذكره رئيس جهاز الاستخبارات البلغاري كيرتشو كيروف أن أجهزة الأمن من حوالي 20 دولة ساعدت في الإفراج عن الطاقم الطبي البلغاري المحتجز بالجماهيرية الليبية منذ عام 1999.

مسلسل انفراج العلاقات

ولم تكن تلك الأزمة وحدها السبب في توتر العلاقات بين ليبيا وأوروبا، فقد سبق أن تأزمت العلاقات أيضًا بعد اتهام ليبيا بالتورط في تفجير ملهى برلين عام 1986، وكذلك بعد اتهام مواطنين ليبين بتفجير "طائرة بان أمريكان" فوق بلدة لوكيربي الأسكتلندية عام 1988، وظلت العلاقات من وقتها بين الجانبين تجتاحها الهواجس ويغلب عليها التوتر.

ومن المؤكد أن مشهد سقوط بغداد كان أحد أسباب التحول الحادث في السياسة الخارجية الليبية؛ فقد بدأت القيادة الليبية تستوعب معنى ما يحدث حولها من متغيرات دولية وتدرك أن هامش المناورة الذي كان متاحًا في الماضي لم يعد قائمًا، وأن ما كان متاحًا من مناطحة السياسة الغربية والأمريكية بات أمرًا صعبًا.

وكان أول مؤشر على رغبة الجماهيرية الليبية في الانفتاح على العالم الغربي وإقامة علاقات طبيعية مع أوروبا والولايات المتحدة، خلال عام 2003 متزامنا مع إعلان الزعيم الليبي معمر القذافي تخليه عن مساعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل، سواء كانت نووية أو كيماوية أو بيولوجية، والقبول بإخضاع كافة منشآت بلاده لرقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية (في موقف ربط الخبراء بينه وبين سقوط بغداد واعتقال صدام).

وفي فبراير 2004، أعلنت ليبيا الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، ومن قبل كانت ليبيا قد وافقت على دفع تعويضات مالية لأسر ضحايا تفجير طائرة الركاب الأمريكية بعد إدانة رجل مخابرات ليبي بالضلوع في التفجير.

وفي مقابل ذلك، سارع توني بلير لزيارة طرابلس في مارس 2004، واستُقبل القذافي في بروكسل، وزاره كل من جيرهارد شرودر وخوسيه ماريا أزنار وسيلفيو برلسكوني، وبالطبع جاك شيراك الذي توجه إلى طرابلس في نوفمبر 2004 على رأس وفد كبير من رجال الأعمال، وبشكل عام فقد ظهرت العديد من التلميحات والتصريحات التي تؤكد رغبة ليبيا وأوروبا في استئناف العلاقات.

كما رفعت الولايات المتحدة، خلال سبتمبر 2004 العقوبات الاقتصادية المفروضة على ليبيا منذ عام 1986، وعادت شركات النفط الأمريكية إلى ليبيا وأعلن تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية حول النشاطات الإرهابية أن ليبيا واصلت التعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في الحرب ضد الإرهاب، كما تلقت طرابلس الكثير من الوعود والتي شملت مساعدات اقتصادية وتحويل ليبيا إلى قاعدة صناعية كبرى بالمنطقة، وإتاحة الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة، بل وتطوير القوات المسلحة الليبية.

ومن أبرز التطورات أيضًا صدور قرار مجلس الأمن برفع العقوبات الدولية التي ظلت مفروضة على ليبيا منذ عام ‏1986، وسبق هذا التطور بأشهر قليلة اختيار ممثلة ليبيا لشغل مقعد الرئاسة للجنة حقوق الإنسان الدولية في جنيف.

مصالح متبادلة

لا شك أن الثروات التي تتمتع بها ليبيا هي أحد الدوافع الرئيسية التي طالما دفعت الأوروبيين لمحاولة توطيد العلاقة مع طرابلس؛ إذ تعد ليبيا من الدول الغنية بثروتها البترولية، حيث تنتج مليوني برميل يوميًا من النفط وتعتزم زيادة إنتاجها إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا اعتبارا من سنة 2010، وذلك من احتياطي مؤكد قدره 41.5 بليون برميل، أما معدل إنتاج الغاز فيبلغ 399 بليون قدم مكعب وذلك من احتياطي مؤكد قدره 52.7 ترليون قدم مكعب، ولا شك أن ذلك وغيره من الثروات الأخرى يدفع العديد من الدول لتوطيد علاقاتها مع ليبيا.

بعد يوم واحد من إفراج ليبيا عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لليبيا؛ حيث أبدى رغبته في "مساعدة ليبيا على الانسجام مرة أخرى مع العالم الخارجي"، معلنًا في الوقت ذاته أن "دول الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة اليوم إلى السوق الليبية".

ولا شك أنه بالإضافة للأبعاد الإنسانية التي من الممكن أن تدفع ساركوزي للتدخل والوساطة لحل قضية أزمة الممرضات البلغاريات، وسعيه لزيادة شعبيته وللظهور أمام شعبه بأنه صاحب إنجازات ونجاحات على الصعيد الخارجي (خاصةً أنه في بداية فترة حكمه)، بالإضافة لذلك، فإن فرنسا لها مصالح تجارية في ليبيا ولها طموحات في الحصول على عقود جديدة في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية ونقل التكنولوجيا والطائرات والمعدات العسكرية.

وهناك توقعات بالفعل لأن تصبح ليبيا من أكبر الدول المزودة للنفط والغاز الطبيعي لفرنسا، وبأن شركة "إيرباص" قد تزود الأسطول الجوي الليبي بطائرات مدنية جديدة، وقد أعلن مسئولون في باريس بالفعل أن إنهاء أزمة الممرضات ستمكن البلدين من تمتين علاقتهما التجارية، علما بأن معدل التبادل التجاري بين البلدين بلغ أكثر من ثلاثة بلايين دولار.

كما ترددت أنباء عن أن الطرفين وقَّعا خلال تلك الزيارة اتفاقًا ينص على تزويد ليبيا بمفاعل نووي لتحلية مياه البحر، وكذلك اتفاق إطار لشراكة شاملة في قطاعات الصحة والتعليم والهجرة ومكافحة الإرهاب.

ولا يخفى على أحد رغبة باريس في توسيع نطاق النفوذ الدبلوماسي الفرنسي في إفريقيا، وفي مكافحة الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى أوروبا وإلى فرنسا تحديدًا، وكذلك في تحقيق مشروع ساركوزي بإنشاء اتحاد متوسطي، ويرغب "ساركوزي" في هذا الإطار لضمان تأييد ليبيا للمشروع المتوسطي الجديد الذي يروج له بين دول المغرب العربي، وتبرز أهمية ذلك إذا علمنا أن التحفظ الليبي تجاه مشروع برشلونة كان كفيلاً بتعطيله.

كما كان من اللافت أنه لم يمر أسبوع واحد على انتهاء أزمة الممرضات البلغاريات إلا وكان ملتقى الشراكة الليبية الإيطالية قد بدأ فعالياته في طرابلس، بحضور عدد من مديري كبريات الشركات الإيطالية المتخصصة في النفط والغاز والسياحة والاستثمار والمصارف وعدد من مديري المؤسسات الأهلية والمصانع والمستثمرين الليبيين.

أما في بريطانيا فقد اكتفى وزير الدولة للشئون الخارجية كيم هاولز بمغازلة طرابلس حين أشاد بالعلاقات الليبية البريطانية المتميزة في شتى المجالات خاصة المالية والاستثمارية.

وفيما يتعلق بالمصالح والدوافع الليبية، نجد هدف التطبيع الكامل للعلاقات الليبية الأوروبية، وتخفيف القيود المفروضة على السفر، وإتاحة وصول المنتجات الزراعية الليبية وصادرات الأسماك إلى أوروبا، وقد أعلن سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي معمر القذافي رئيس مؤسسة القذافي للتنمية أن بلاده "حققت مكاسب من وراء هذه القضية لم يكن أحد يتخيلها، ومنها: ملايين الدولارات كتعويضات لأسر الضحايا، واتفاقيات الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي، وتسهيل دخول المنتجات الليبية للأسواق الأوروبية، وصفقات أسلحة، وتأمين علاج الأطفال الليبيين المصابين بفيروس الإيدز".

وذلك بينما أعلن رئيس الوزراء البلغاري سرغي ستانتشاف أن بلاده تنوي إلغاء الديون الليبية المستحقة لها والتي تقدر بنحو 54 مليونًا، وذلك للمشاركة في صندوق بنغازي الخاص بتقديم تعويضات لعائلات الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز.

وهناك أحاديث متداولة عن احتمال إصدار عفو عن عبد الباسط المقرحي الضابط بالمخابرات الليبية الذي حُكم عليه في أسكتلندا بالسجن المؤبد بعد اتهامه بالضلوع في حادث "لوكيربي".

مستقبل العلاقات ومعوقاتها

على الرغم من أن هناك مخاوف من أن قيام بلغاريا بالإفراج عن الممرضات فور وصولهن إلى أراضيها قد يتسبب في أزمة جديدة بين الطرفين وربما في عرقلة إقامة العلاقات بين ليبيا وأوروبا، على اعتبار أن "العفو الرئاسي الذي صدر في بلغاريا عن الممرضات هو خرق لاتفاقية التعاون القضائي الثنائية بين البلدين وللقانون الدولي واستهانة بمشاعر الشعب الليبي" (وفقا لوجهة نظر الحكومة الليبية).. على الرغم من ذلك، فإن هناك العديد من المؤشرات والأسباب التي تؤكد أن الغضب الليبي من العفو البلغاري هو أزمة مفتعلة لها العديد من الدوافع الأخرى التي لا ترتبط بجوهر العلاقات بين الجانبين، وهو ما يتضح من خلال ما يلي:

- حين قررت ليبيا الإفراج عن الممرضات لم يكن يهمها احتفاظ بلغاريا بهن في السجون أو إطلاق سراحهن، ولكن كان همها وهدفها الرئيسي هو التخلص من تلك الأزمة وبدء صفحة جديدة من العلاقات الليبية الأوروبية، وعلى هذا الأساس فليس من المرجح أن يعرقل إفراج بلغاريا عن الممرضات من التوجهات الليبية نحو تدعيم علاقاتها مع أوروبا.

- من المرجح أن التصريحات الليبية التي أطلقها رئيس الوزراء الليبي البغدادي محمودي وكذلك وزير الخارجية عبد الرحمن شلقم ضد بلغاريا، هي تصريحات موجهة للداخل وليس لبلغاريا أو للخارج، ومما يؤكد هذا الرأي قيام سيف الإسلام القذافي بالاستغراب من اعتراض السلطات الليبية على العفو الذي أصدره الرئيس البلغاري عن الطاقم الطبي، معلنا في تصريحات مفاجئة أن "بلاده هي التي اختلقت قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، وأنه على المسئولين الليبيين ألا يفاجئوا بذلك لأنهم يعلمون أن البلغاريين سيصدرون عفوًا عنهم".

وبمعنى آخر، يمكن القول إن تصريحات الحكومة الليبية كانت لمراعاة مشاعر الشعب الليبي أو على الأقل عدم استفزازه، ويمكن في هذا الإطار أيضا فهم التأكيدات الليبية بأن تعويضات الضحايا جاءت من أوروبا على الرغم من أن الجانب الأوروبي نفى ذلك تماما.

- أما قيام ليبيا بتقديم مذكرة للأمانة العامة للجامعة العربية تطالب فيها الدول العربية بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع بلغاريا بعد العفو الذي أصدرته عن الممرضات، فنجد أن ليبيا التي طالما هاجمت الجامعة العربية ووصفتها بالعجز تدرك جيدًا أن تحرك الجامعة العربية بحماس وقيامها بالتصعيد أمر مشكوك فيه لعدد من الأسباب؛ فالدول العربية لا يمكن أن تقطع علاقاتها مع بلغاريا أو تدخل في أزمة مع الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يسعى فيه أقطاب النظام الليبي أنفسهم لتحسين العلاقة مع أوروبا، ناهيك عن أن ليبيا لم تُحط الجامعة العربية أصلاً بتفاصيل مفاوضاتها مع أوروبا بشأن تلك القضية منذ البداية.

ومع أن كل السيناريوهات تؤكد أن الفترة القادمة ستشهد تحسنًا في العلاقات الليبية الأوروبية فإن هذا لا يعني أنه لا توجد عقبات أمام تطبيع تلك العلاقات بشكل كامل؛ فهناك مطالب متزايدة من الغرب من الصعب التكهن بقدرة النظام الليبي على الاستجابة لها؛ إذ لم تعد المطالب كما كانت في الماضي تتعلق بأزمات ينبغي تسويتها على غرار ملهى برلين ولوكيربي والممرضات البلغاريات، بل باتت تتداخل مع عملية صنع القرار الليبي داخليا وخارجيا؛ فهناك من يطالب ليبيا بتغيير محوري في سياستها الخارجية، عبر مطالبة طرابلس بـ"التوقف عن التدخلات السلبية في القضايا الإقليمية"، سواء فيما يخص الصراع العربي - الإسرائيلي، أو النزاعات في إفريقيا وآسيا.

وبالنسبة للداخل الليبي، فإن المطالب الغربية لا تتوقف عند إجراء إصلاحات لتطوير الاقتصاد الليبي لتمكينه من استقبال الاستثمارات وكذلك رفع مستوى معيشة السكان؛ وهو ما يخلق سوقا اقتصادية نشطة، لكنها تمتد لتشمل تبني الحكومة الليبية للإصلاح السياسي بدءًا من احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

ولكن الأمر المؤكد في كل الأحوال.. أن العلاقات الأوروبية الليبية في الفترة القادمة ستشهد طفرة نوعية، لن يقيدها مدى استجابة النظام الليبي لمطالب أوروبا بالتوجه نحو احترام حقوق الإنسان والديمقراطية بقدر ما ستحكمها وتحدد ملامحَها المصالح الاقتصادية.

(*)- مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز البحوث والدراسات "عرب المستقبل".