أنيس الجيجلي كعواش
20-12-2009, 09:22
قراءة في 32 يوما من إضراب ''غاندي الصحراء''
عادت أمنتو حيدار إلى وطنها الصحراء الغربية، بعد 32 يوما من الإضراب عن الطعام بمطار لانزروتي، نتيجة جهود دولية قادتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا إضافة إلى الأمم المتحدة، وأنهت بذلك أزمة إنسانية تورّط فيها المغرب بضوء أخضر إسباني.
الأزمة الإنسانية التي عاشتها حيدار على مدار 32 يوما بسبب حرمانها من حقها في الدخول إلى وطنها، كانت لها أبعاد سياسية معقدة، تجلت في نوعية الجهود التي بذلت والتصريحات التي أطلقتها كل العواصم المعنية والمهتمة بالقضية.
شدّ وجذب بين محور الرباط ومدريد
في اليوم الذي وصلت فيه أمنتو حيدار إلى مطار لعيون قادمة من إسبانيا في 13 ديسمبر ورفضت أن تصرح على استمارة الوصول أن جنسيتها مغربية، وقيام السلطات المغربية بسحب جواز سفرها، بدأت أولى الاتصالات بين الرباط ومدريد أين تم إعلام السلطات الإسبانية بقرار طرد حيدار إلى إسبانيا، وهو الموقف الذي حذّرت منه الخارجية الاسبانية لتقبل في آخر الأمر والإذعان لرغبة المغرب، لتطرد في اليوم الموالي عبر إرغامها على الصعود في طائرة متوجهة إلى مطار لانزروتي بجزر الكناري، وتبين تورط إسبانيا في القضية من خلال إرغام الشرطة الإسبانية حيدار على النزول من الطائرة بعد أن طالبت بالعودة مجددا إلى لعيون. لكن لا أحد كان يعلم أن الأمور ستسير عكس السيناريوهات التي رسمت مسبقا، خاصة بعد دخول الناشطة الحقوقية الصحراوية في إضراب عن الطعام، مما جعل قضيتها تأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الرأي العام العالمي وتصدرت قضيتها أخبار وسائل الإعلام العالمية وتشكيل لجان لمساندتها.
لكن ذلك لم يعجب الرباط التي خرجت عبر مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة وصديق الملك المقرب، فؤاد عالي الهمة، ليذكّر مدريد بأن لديها أوراق ضغط، إذ أعلن المغرب أنه يمكن أن يعيد النظر في تعاونه مع إسبانيا في ملفات الهجرة السرية والمخدرات ومحاربة الإرهاب.
عودة دون شروط وسقوط جديد للدبلوماسية المغربية
في خضم الأزمة التي خلّفها إضراب أمنتو حيدار عن الطعام ومطالبها بالعودة التي ساندتها فيها العديد من الأطراف، على غرار الأمم المتحدة وواشنطن وبريطانيا وكذا إسبانيا، بعدما اكتشفت أنها وضعت نفسها في ورطة حقيقية، واجهت السلطات المغربية مطالب حيدار بكثير من الحزم والصلابة واعتبرت ما قامت به أمر خطير يمس بالوحدة الترابية والسيادة، وأكثر من ذلك دعتها إلى طلب جواز سفر من الجزائر أوالتوجه إلى تندوف، أين توجد مخيمات اللاجئين الصحراويين. وشدّد المسؤولون المغاربة وعلى رأسهم وزير الخارجية ووزير الاتصال، على أن حيدار لم يعد لها مكان في الصحراء وأن عليها الاعتذار للملك والإعلان عن أنها مواطنة مغربية، واعتبروا ذلك سقف شروط لا يمكن التنازل عليه.
المغرب ومن خلال تصرفه أراد أن يسجل نقاطا لصالحه بعد الضغوط التي مورست عليه على الصعيد الخارجي، إلى جانب أن مصداقيته أصبحت على المحك أمام الرأي العام الداخلي. في المقابل حيدار لم تتنازل قيد أنملة عن مطالبها بالعودة بدون شروط وبدون إعتذار بل قالت ''إن هي من يجب أن يتقدم لها محمد السادس بالاعتذار نظير ما لحق بها وبشعبها من ظلم وتعسف''. كما أن حيدار التي أطلق عليها ''غاندي الصحراوية'' كونها احتجّت بطريقة سلمية لاسترداد حقوقها، رفضت العروض الإسبانية بمنحها اللجوء السياسي ثم الجنسية الإسبانية، مما جعل استبعاد التوصل إلى أي تسوية للقضية عبر ورقة إسبانيا. لكن تواصل الضغط الدولي وتعقد الوضعية الصحية لحيدار، حيث وصل إلى حد الإغماءات وتقيؤ الدم في اليوم الثلاثين من إضرابها، عقّد الوضع أكثر فأكثر وأوصل المغرب إلى قناعة أنه في ورطة حقيقية وأي طريق ينتهجه للحل ليس في صالحه، فإذا توفيت حيدار سيجعل منها بطلة قومية وسيظهر كدولة تتعسف بالحقوق ويسجل نقاطا لصالح جبهة البوليساريو على حسابه، وإذا رجعت فإنها ستجد نفسها قد خسرت على الصعيد الدبلوماسي وأمام الرأي العام الداخلي ففضلت أخفّ الضرار وهو السماح لها بالعودة. لكن حيدار عادت إلى الصحراء الغربية دون أن تقدم اعتذار ودون الالتزام بأي شروط، يعني انهزام تام للدبلوماسية المغربية على كل الأصعدة التي أساءت مرة أخرى التقدير ودفعت ثمن قصور نظرها وتقييمها للأمور.
الكثير من القراءات ذهبت إلى كون حيدار تعهّدت في صفقة، لم يفصح عنها، بعدم الخوض في السياسة مجددا، إلى جانب تعهدات أخرى قدمتها مقابل السماح لها بالعودة، لكن تصريحات حيدار في مستشفى لانزروتي وفي لعيون تؤكد أن المغرب لم يتحصل على أي تعهّد من حيدار ولم يستطع أن يفرض عليها أي شروط، ويمكن أن نقف على ذلك من خلال تصريحها بأن عودتها، انتصار للقانون الدولي وحقوق الإنسان والقضية الصحراوية وبأنها ستواصل نضالها من أجل استقلال الصحراء الغربية، وهذا يعدّ سقف المطالب التي تنادي بها جبهة البوليساريو.
الانهزام الدبلوماسي الذي منيت به الرباط على يد أمنتو حيدار يذكّرنا بصواب ما قاله وزير الداخلية المغربي الراحل إدريس البصري بعدما تمّ الاستغناء عن خدماته، إثر تولي محمد السادس الحكم، أين صرح آنذاك بأن الملك أحاط نفسه بأقزام في السياسة، وهنا ظهرت قامة الدبلوماسية المغربية في تسيير الأمور، فهي عادت منحنية الرأس أمام الرأي العام الداخلي، كما أعطت الفرصة للقضية الصحراوية أن تكسب تعاطفا دوليا متزايدا، ولطّخت صورة المغرب الديمقراطي الذي يحاول أن يرسمها محمد السادس في العهد الجديد.
الكاتب: رضا شنوف
عادت أمنتو حيدار إلى وطنها الصحراء الغربية، بعد 32 يوما من الإضراب عن الطعام بمطار لانزروتي، نتيجة جهود دولية قادتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا إضافة إلى الأمم المتحدة، وأنهت بذلك أزمة إنسانية تورّط فيها المغرب بضوء أخضر إسباني.
الأزمة الإنسانية التي عاشتها حيدار على مدار 32 يوما بسبب حرمانها من حقها في الدخول إلى وطنها، كانت لها أبعاد سياسية معقدة، تجلت في نوعية الجهود التي بذلت والتصريحات التي أطلقتها كل العواصم المعنية والمهتمة بالقضية.
شدّ وجذب بين محور الرباط ومدريد
في اليوم الذي وصلت فيه أمنتو حيدار إلى مطار لعيون قادمة من إسبانيا في 13 ديسمبر ورفضت أن تصرح على استمارة الوصول أن جنسيتها مغربية، وقيام السلطات المغربية بسحب جواز سفرها، بدأت أولى الاتصالات بين الرباط ومدريد أين تم إعلام السلطات الإسبانية بقرار طرد حيدار إلى إسبانيا، وهو الموقف الذي حذّرت منه الخارجية الاسبانية لتقبل في آخر الأمر والإذعان لرغبة المغرب، لتطرد في اليوم الموالي عبر إرغامها على الصعود في طائرة متوجهة إلى مطار لانزروتي بجزر الكناري، وتبين تورط إسبانيا في القضية من خلال إرغام الشرطة الإسبانية حيدار على النزول من الطائرة بعد أن طالبت بالعودة مجددا إلى لعيون. لكن لا أحد كان يعلم أن الأمور ستسير عكس السيناريوهات التي رسمت مسبقا، خاصة بعد دخول الناشطة الحقوقية الصحراوية في إضراب عن الطعام، مما جعل قضيتها تأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الرأي العام العالمي وتصدرت قضيتها أخبار وسائل الإعلام العالمية وتشكيل لجان لمساندتها.
لكن ذلك لم يعجب الرباط التي خرجت عبر مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة وصديق الملك المقرب، فؤاد عالي الهمة، ليذكّر مدريد بأن لديها أوراق ضغط، إذ أعلن المغرب أنه يمكن أن يعيد النظر في تعاونه مع إسبانيا في ملفات الهجرة السرية والمخدرات ومحاربة الإرهاب.
عودة دون شروط وسقوط جديد للدبلوماسية المغربية
في خضم الأزمة التي خلّفها إضراب أمنتو حيدار عن الطعام ومطالبها بالعودة التي ساندتها فيها العديد من الأطراف، على غرار الأمم المتحدة وواشنطن وبريطانيا وكذا إسبانيا، بعدما اكتشفت أنها وضعت نفسها في ورطة حقيقية، واجهت السلطات المغربية مطالب حيدار بكثير من الحزم والصلابة واعتبرت ما قامت به أمر خطير يمس بالوحدة الترابية والسيادة، وأكثر من ذلك دعتها إلى طلب جواز سفر من الجزائر أوالتوجه إلى تندوف، أين توجد مخيمات اللاجئين الصحراويين. وشدّد المسؤولون المغاربة وعلى رأسهم وزير الخارجية ووزير الاتصال، على أن حيدار لم يعد لها مكان في الصحراء وأن عليها الاعتذار للملك والإعلان عن أنها مواطنة مغربية، واعتبروا ذلك سقف شروط لا يمكن التنازل عليه.
المغرب ومن خلال تصرفه أراد أن يسجل نقاطا لصالحه بعد الضغوط التي مورست عليه على الصعيد الخارجي، إلى جانب أن مصداقيته أصبحت على المحك أمام الرأي العام الداخلي. في المقابل حيدار لم تتنازل قيد أنملة عن مطالبها بالعودة بدون شروط وبدون إعتذار بل قالت ''إن هي من يجب أن يتقدم لها محمد السادس بالاعتذار نظير ما لحق بها وبشعبها من ظلم وتعسف''. كما أن حيدار التي أطلق عليها ''غاندي الصحراوية'' كونها احتجّت بطريقة سلمية لاسترداد حقوقها، رفضت العروض الإسبانية بمنحها اللجوء السياسي ثم الجنسية الإسبانية، مما جعل استبعاد التوصل إلى أي تسوية للقضية عبر ورقة إسبانيا. لكن تواصل الضغط الدولي وتعقد الوضعية الصحية لحيدار، حيث وصل إلى حد الإغماءات وتقيؤ الدم في اليوم الثلاثين من إضرابها، عقّد الوضع أكثر فأكثر وأوصل المغرب إلى قناعة أنه في ورطة حقيقية وأي طريق ينتهجه للحل ليس في صالحه، فإذا توفيت حيدار سيجعل منها بطلة قومية وسيظهر كدولة تتعسف بالحقوق ويسجل نقاطا لصالح جبهة البوليساريو على حسابه، وإذا رجعت فإنها ستجد نفسها قد خسرت على الصعيد الدبلوماسي وأمام الرأي العام الداخلي ففضلت أخفّ الضرار وهو السماح لها بالعودة. لكن حيدار عادت إلى الصحراء الغربية دون أن تقدم اعتذار ودون الالتزام بأي شروط، يعني انهزام تام للدبلوماسية المغربية على كل الأصعدة التي أساءت مرة أخرى التقدير ودفعت ثمن قصور نظرها وتقييمها للأمور.
الكثير من القراءات ذهبت إلى كون حيدار تعهّدت في صفقة، لم يفصح عنها، بعدم الخوض في السياسة مجددا، إلى جانب تعهدات أخرى قدمتها مقابل السماح لها بالعودة، لكن تصريحات حيدار في مستشفى لانزروتي وفي لعيون تؤكد أن المغرب لم يتحصل على أي تعهّد من حيدار ولم يستطع أن يفرض عليها أي شروط، ويمكن أن نقف على ذلك من خلال تصريحها بأن عودتها، انتصار للقانون الدولي وحقوق الإنسان والقضية الصحراوية وبأنها ستواصل نضالها من أجل استقلال الصحراء الغربية، وهذا يعدّ سقف المطالب التي تنادي بها جبهة البوليساريو.
الانهزام الدبلوماسي الذي منيت به الرباط على يد أمنتو حيدار يذكّرنا بصواب ما قاله وزير الداخلية المغربي الراحل إدريس البصري بعدما تمّ الاستغناء عن خدماته، إثر تولي محمد السادس الحكم، أين صرح آنذاك بأن الملك أحاط نفسه بأقزام في السياسة، وهنا ظهرت قامة الدبلوماسية المغربية في تسيير الأمور، فهي عادت منحنية الرأس أمام الرأي العام الداخلي، كما أعطت الفرصة للقضية الصحراوية أن تكسب تعاطفا دوليا متزايدا، ولطّخت صورة المغرب الديمقراطي الذي يحاول أن يرسمها محمد السادس في العهد الجديد.
الكاتب: رضا شنوف