مشاهدة النسخة كاملة : الواقعية في الأدب


خديجة
29-03-2010, 12:53
المدرسة الواقعية
الواقعية الغربية و أثرهـــا في الأدب العربي

مقدمــــة
ورد في كتاب الأدب ومذاهبه للدكتور محمد مندور ما يلي : " إن الواقعية ليست الأخذ عن واقع الحياة وتصويره بخيره وشره كالآلة الفوتوغرافية كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة حلها أو التوجه نحو هذا الحل ، كما أنها ليست ضد أدب الخيال أو الأبراج العاجية ، وإنما هي فلسفة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما أو هي وجهة نظر خاصة ترى الحياة من خلال منظار أسود " ويرون : " أن الشجاعة والاستهانة بالموت لو نقبنا عن حقيقتها لوجدناها يأسا من الحياة أو ضرورة لا مفر منها ، والكرم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة ، والمجد والخلود تكالب على الحياة وإيهام للنفس بدوامها أو استمرارها . وهكذا الأمر في كافة القيم المثالية التي نسميها قيما خيرة ، فهي ليست واقع الحياة الحقيقية وإنما الواقع هو الأثرة وما ينبعث عنها من شرور وقسوة ووحشية " .



تعريف الواقعية:
الواقعية في الأدب هي ذلك النهج أو المذهب الذي يهتم بوصف الحياة اليومية كما هي دون أي مثالية. ورغم أن الواقعية ليست مقتصرة على قرن واحد أو أي مجموعة من الكتاب، إلا أنه قد أرتبط أسمها بالحركة الأدبية التي ظهرت في فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر و من ثم انتشرت في أنحاء أوروبا. من رواد الحركة الواقعية في الأدب الإنجليزي الروائية جورج اليوت (أسمها الحقيقي ماري) و الروائي تشارلز ديكنز الذي عرض الواقعية في العديد من روياته كالآمال العظيمة وديفيد كوبرفيلد و أوليفر تويست. وفي المسرح نجد النرويجي هنريك إبسن.



نشأة المذهب الواقعي:
ظهرت الواقعية على شكل اتجاه أدبي في القرن "18" تحت تأثير المزدوج لنهوض العلم و العقلانية الفلسفية كرد فعل على الإفراط العاطفي و لم تكن لهذا المذهب أسس نظرية واعية فقد بدا بالرسم أولا ثم انتقل تأثيره إلى الأدب ثم انتقلت الدعوة إلى الأدب عن طريق الأديب "شان فلوري" “Chqine Fleury” ," أميل زولا" « Emille Zola » فقد بلغ بالدعوة إلى الواقعية قمتها.


الأسباب التاريخية لنشأة الواقعية:
بعد قيام الثورة الفرنسية و انتقال رؤوس الأموال في يد الطبقة البرجوازية قامت جذور جديدة من الاستغلال و الظلم لذلك كان حتما على بعض الأدباء أن يستجيبوا لعامة الناس ردا على الظلم الجديد الذي تسبب فيه البرجوازيون فدعى هؤلاء الأدباء إلى عدم الاعتماد على الخيال المفرط من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان فالرومانسية في نظر هؤلاء لا تقوى على تصوير الظلم لاعتمادها على الخيال الذي هو في نظرهم نوع من الفرار من الواقع و لقد ساعدت على ظهور الواقعية شيوع النزعة العلمية التي تتخذ بطبيعتها من المبالغات الأدبية و التهويلات الشعرية و لقد عكست الواقعية بذلك سخط العصر العلمي بالحقائق المادية كما عكست نفور الناس من الحماية الغامضة التي هي من خصائص الرومانسيين.



اتجاهات الواقعية (أنواعها):
لقد كثرت تفرعات الواقعية حيث وصلت أنواعها إلى حدود الثمانية و العشرين "28" اتجاها منها:
1. الواقعية الانتقالية:
إن يقف أصحاب هذا الاتجاه موقفا انتقاليا إيزاء المجتمع في حالته الراهنة و يطلق على الاتجاه أيضا "الواقعية الأوروبية" التي هي واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي حتى و لو كانت تدعوا إلى تشاؤم عميق لا أمل فيه و من أعلام هذه الواقعية الانتقالية "لكنز وطول ستولي و بصن و أرنست إمغواي".
2. الواقعية الطبيعية :
يصور أصحاب هذا الاتجاه الحياة تصويرا اجتماعيا بمختلف أبعاده و استعانوا بالعلوم التجربيين العصرية باعتبار أن العصر هو عصر العلم و الواقعية الطبيعية تنفي عن الإنسان حرية الإرادة و الاختيار و هي ترى الإنسان حيوانا تسيره غرائزه و حاجاته العضوية و كل ما في النفس الإنسانية هو قابل للتحليل فالغدد و الأجهزة العضوية هي التي تملي على الإنسان إحساسه و أفكاره و سلوكه و من أبرز أعلام هذا الاتجاه. الأديب الفرنسي " Emile Zola "
3. الواقعية الاشتراكية:
إن الواقعية الاشتراكية هي حصيلة النظرة الماركسية إلى الفن و الأدب و هي تدعو إلى الالتزام بأهداف الطبقة العاملة و نضال في سبيل تحقيق الاشتراكية و تحتم الواقعية الاشتراكية على الكاتب أن يأت في تصويره للشر دواعي الأمل في التخلص منه فتحا لمنافذ التفاؤل و لو أدى ذلك إلى ترييف الواقع و من ابرز رواد هذا الاتجاه الأديب " ماي كوبسكي".


خصائص الواقعية و مبادئها :
1. الواقعيون يهاجمون الطبقة الوسطى التي كان يدافع عنها الرومانسيون
2. يتخذ الواقعيون مادة تجاربهم في قصصهم و مسرحياتهم من واقع الطبقة الدنيا.
3. ينتهي الكاتب الواقعي في قصصه إلى نتائج تأييدها العلوم فيما توصلت إليه.
4. الواقعيون لا يحبون المبالغة و العناية بالأسلوب لأنه في نظرهم وسيلة لا غاية و هم يعطون الأهمية الكبرى للمنطق.
5. إن سلوكنا في نظر الواقعيين هو نوع من الخداع و الناس في نظرهم منافقون فكل ما يبدوا خيرا من الأشياء ليس إلا بريقا كاذبا فالشجاعة مثلا و الاستهانة بالموت هما لون من ألوان اليأس من الحياة و الكرم مثلا ليس إلا مباهاة و فخرا و الانتصار هو سلب للحقوق و احترام العلماء هو لون من النفاق سببه العجز عن الوصول إلى العباقرة في مرتبتهم و الحب هو نوع من أنواع الأنانية.
6. يرى الواقعيون بأنه ليست هناك قوانين و إنما هناك ظروف و ليست هناك مبادئ و إنما هناك أحداث و الرجل المثالي في نظرهم إنما هو ذلك الرجل الذي يحتضن الأحداث و الظروف لكي يسيرها.



أثر الواقعية الغربية في الأدب العربي الحديث:
إن الواقعية الغربية بنظرتها المتشائمة لم تستطع فرض نفسها على الأدب العربي الحديث ، فقد رسم أدبنا نهجا خاصا به استوحاه من الواقع العربي بمشكلاته الاجتماعية وقضاياه السياسية ، وإن كان بعض الأدباء قد تأثروا في بداية الأمر بالواقعيين الغربيين و من هؤلاء "محمود تيمور" الذي تأثر بالواقعية الفرنسية حيث كانت أعماله القصصية لوحات لأوضاع اجتماعية غلب عليها شيء من التخيل .
أما الواقعية الحقيقية في أدبنا العربي الحديث فقد تجلت عند الدكتور طه حسين في كتابه المعذبون في الأرض و قد عبر عن رفضه لمظاهر الحرمان و الفقر مطالبا بالعدالة الاجتماعية و الحقوق الإنسانية للفرد . و خير ما أثمرته الواقعية في أدبنا ما كتبه "توفيق الحكيم" في روايته (يوميات نائب في الأرياف) سنة 1937 قدم وصفا دقيقا لحياة الفلاحين في الريف المصري مستعرضا مظاهر الجهل والمرض والحرمان والذل بين أجيال من الإقطاعيين المستبدين وقد ترجمت هذه الرواية إلى أغلب لغات العالم وبذلك بلغ مرتبة سامية في سلم الأدب العالمي .
كما ظهرت الواقعية في أدبنا في أعمال "يوسف إدريس" في روايته(الحرام) التي نالت رواجا واسعا وترجمت إلى لغات عالمية كثيرة . كما نلمح الواقعية عند الأديب "عبد الرحمان الشرقاوي" في روايته "الأرض" وكذلك الأديب "يحي حقي" في مجموعته القصصية (ماء وطين) أما الواقعية في الأدب الجزائري فقد تجلت في الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية التي تناولت الحياة الجزائرية عامة والريفية بوجه خاص ونجد ذلك في رواية (ابن الفقير) لـ "مولود فرعون" إذ صور فيها نشأته المعذبة ، كما وصف أيضا حياة الفلاحين البائسة ومعاناتهم اليومية ، فالفلاح يقضي في حقل الإقطاعي قرابة ست عشرة ساعة يوميا فهو يخرج من كوخه قبل بزوغ الفجر ولا يعود إليه إلا بعد غروب الشمس ويقول في ذلك : " يسكنون بيوتا بدائية فقيرة ، تتسلق قمما مرتفعة يعلو كل منها الآخر ، وكأنها عظام عمود فقري هائل لحيوان رهيب من حيوانات مل قبل التاريخ ... " .
كما صور الأديب الجزائري هذه الواقعية المؤلمة بكل صدق وإيمان نظرا لتجاربه في الحياة ومعاناته اليومية ، فهو صورة لهذا المجتمع المتألم من نير عبودية الاستعمار وسياسته الاستيطانية والاستعبادية وهذا ما نجده في رواية "محمد ذيب" (الحريق) الذي عبر قائلا : "لقد استولوا على كل شيء ، إنهم يريدون أن يصبحوا سادة أيضا ، لقد جعلوا من واجبهم الحقد علينا.وهاهم أولاء ينتزعون كل يوم قطعة من لحمنا ، فيبقى مكانها جرح عميق لتسيل من حياتنا ... " .
كما نجد الشعر قد صور واقع الحياة الاجتماعية لهذا الشعب وهذا "محمد الأمين العمودي" يقول :
نفسي تريد العلا والدهر يعكسها بالقهر والزجر إن الدهر ظلاّم
أبكي إذا اشتد إرزام الحوادث بي وللحوادث مثل الرعـد ارزام
إن حل عام جديـد قمـت أسأله قل لي : بماذا أتيت أيها العام؟
إني وإن حط سوء الحظ منزلتي وقد علا شرفـي بالظلم أقوام
كما نجد الأديب "محمد الصالح خبشاش" يعبر عن واقع المرأة الجزائرية المؤلم داعيا إلى تربيتها وتعليمها قائلا :
تركـوك بين عبـاءة وشقـاء مكؤوبـة في الليلـة الليلاء
دفنوك من قبل الممـات وحبذا لو مـت قبـل تفاقـم الأدواء
مسجونـة مزجـورة محرومة محفوفـة بمـلاءة سـوداء
وإلى جانب هذين الشاعرين هناك شعراء آخرون ، لم يقلّ شعرهم أهمية ولا مكانة في وصف الواقع الجزائري المزري نذكر منهم "محمد العيد آل خليفة ، الشيخ إبراهيم أبي اليقضان ..."

النقد الذي وجه للمدرسة الواقعية:
1 - تخليها عن الوزن و القافية .
2 - ألفاظها تميل إلي العامية .
3 - الإكثار من الرمز والاستخدام الأسطوري أدى إلى شيء من الغموض في بعض تجاربهم الشعرية .
4 - لا تكشف عن مواهب شعرية مميزة .