أنيس الجيجلي كعواش
13-09-2009, 01:38
قد يبدو العنوان غريبا بعض الشيء لأنه يجمع ما لا يجمع في الأصل؟ المسألة ليست صعبة إلى هذا الحد. نعيش داخل عالم يتغير بسرعة تتجاوز أحيانا إمكاناتنا على التفكير والمواجهة. وكثيرا ما نعيش هذه التحولات، كعرب، على الهوامش وننتظر أن تقترح علينا الحلول. الرواية نفسها في زحمة الموضوعات الحيوية تجد نفسها انتقائية غير قادرة على تحديد أهدافها الكبرى والواسعة، مكتفية بحالات فرعية لا تقدم إلا معرفة أدبية جزئية. قلة قليلة من الأعمال الروائية العالمية من تستطيع أن تتعمق الظواهر في شموليتها واتساعها، وربما كان ضعف الرواية الأوروبية الحديثة يكمن في هذه النقطة تحديدا. على العكس من روايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كان الاهتمام كليا وشموليا وموحيا بحركية عصر بكامله في انشغالاته الكبرى والجوهرية. ربما كان السبب في ذلك هو تجزؤ المعارف وكثافتها، مما جزّء الفنون نفسها وموضوعاتها. من بين المشكلات الكبرى التي تواجه الرواية بوصفها عالما موازيا قادرا على التعمق والاختزال، مشكلة البيئة. تحديدا مشكلة الماء؟ كيف تعاملت الرواية العربية مع موضوع حيوي وليس مجرد كمالية فنية؟ ما موقفها الفني مثلا من هذه الظاهرة؟ هل لدى الكاتب العربي حالة وعي بالوضع تصل إلى درجة الانشغال؟ الأرض تجف وتتشقق والآبار التحتية تموت ولا تتجدد، مما يجعل إمكانات الحياة تقل كل سنة قليلا. وكلما زادت درجة الحرارة، زادت معها فرص موت الأرض. يبدو أن العرب لا يفكرون بصوت موحد ومسموع في مشكلة الماء على الرغم من أهميتها في حياتهم وكأنها ظاهرة ثانوية؟ تكفي العودة للأدبيات العربية القديمة لندرك قوة هذه المادة الحيوية وتحكمها في السلم والحروب. الشعر العربي القديم والديانات تقدم لنا مواعظ ودروس في هذا السياق، إذ أن كبريات الحروب القاتلة والممزقة دارت على أطراف منابع المياه. هذه الحروب، مع مراعات الظرفية تعطينا صورة تقريبية عن صفة الحروب القادمة ودرجة دمويتها إذا لم يدرك الإنسان العربي تحديدا، مخاطر الوضعية ويحاول أن يستبق هذه الحروب. الوحدة الأوروبية هي استباق فعلي لحروب قادمة بسبب الأنانيات القاتلة. العرب في حالة غفوة وكأن الأمر يهم غيرهم وهم غير معنيين به. الأفارقة ربما كانوا أفضل منا على الأقل في نخبهم. يعرفون جيدا أن الإبادات القادمة والتمزقات الداخلية سيكون سيدها الماء ولا شيء آخر. الكثير من النصوص الروائية الإفريقية جعلت من موضوع الماء مادتها الأساسية في الخلق والتخيل. تييرني مينيمبو، ف. كوتزي، أليكسي بيالا، كروما وغيرهم جعلوا من موضوعة الماء أفقا للتأمل والكتابة وإثارة الانتباه. بالمقابل، لا شيء يستحق الذكر في رواياتنا العربية حول موضوعة الماء. مع أن شعرنا القديم يزخر بذلك. التفاتة بسيطة باتجاه محيطنا يكشف لنا هول الوضعية المعاشة. الكثير من الحقول والواحات امتدت نحوها الرمال وكان يمكن إنقاذها.