مشاهدة النسخة كاملة : التطور إلى الأعلى والتطور إلى الأمام


أنيس الجيجلي كعواش
30-09-2009, 00:37
من الظواهر السلبية الملفتة للنظر في حياتنا الشاملة هي أننا لا نجلس مع ذواتنا الفردية، ومع ذاتنا الجماعية جلسة تأمل وفحص، وغربلة لما تم إنجازه من أجل تقييمه، والتخطيط بعدئذ لما ينبغي عمله سواء في السياسة أو الثقافة والفنون، أو الاقتصاد، أو الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها. وهكذا ينتج عن هذا النمط من عدم محاسبة النفس تكرار الأخطاء والدوران حول التجربة ذاتها، وإعادة إنتاج نفس القوالب التي تتحول مع الوقت إلى كتل تسد أمامنا الطريق وتخربه، وتعمي البصيرة وتحول دونها ودون الإبداع الحضاري المتجدد باستمرار. ففي هذا الإطار وجدت كتاب فيلسوف النقد، وناقد الفلسفة المصرية الدكتور زكي نجيب محمود المخصص لفلسفة النقد من بين أمتع الكتب من حيث جزالة الأسلوب، ومن حيث نضجها النقدي ومقارباتها اللامعة لقضايا الأدب والفكر والسياسة بمفهومها ومعناها الحضاري. أعتقد بأن كتاب ''فلسفة النقد'' يحتوي على عدد من الإجابات الفكرية والنقدية التي قدمها الدكتور زكي نجيب محمود منذ ثلاثين سنة مضت من عمرنا. فالدكتور زكي نجيب محمود قد طرح في هذا الكتاب سؤالا على جيله من المفكرين والأدباء والسياسيين، داعيا إياهم أن يجيبوا عليه، وذلك لتقييم فترة زمنية تقدر بنصف قرن. هذا هو السؤال المطروح: ''ترى ماذا صنعت لنا خمسون عاما في تطور حياتنا الثقافية بكل مقوماتها من فكر وأدب وفن؟ ماذا نحن واجدون من مدارج الارتفاع إلى أعلى، والتقدم إلى أمام، وإذا نحن أجرينا مقارنة بين موقفنا الثقافي في العشرينيات، وموقفنا اليوم ونحن في السبعينيات من القرن العشرين، إنه لا بد لنا أن نتمعن بدقة في الألفاظ المستخدمة هنا، فالدكتور زكي محمود يتحدث عن ''الموقف الثقافي'' وليس عن مجرد الإنتاج الثقافي، ثم إنه يريدنا أن نميز بين التطور إلى الأمام وبين التطور إلى الأعلى. إنه يمكن أن نكون قد أكثـرنا من الإنتاج الثقافي دون أن يصحب ذلك تقدم أو تغير، أو تطور في الموقف الثقافي، فالعراق مثلا في مرحلة ما قبل العدوان ثم الاحتلال الأمريكي كان غزير الإنتاج في الميادين الأدبية والفنية، ولكن هذه الغزارة لم ينتج عنها تطور في الموقف الثقافي للمجتمع العراقي، والدليل على ذلك أن البنية الاجتماعية الثقافية بقيت بنية طائفية على مستوى الولاء والانتماء والتمترس النفسي.
إن هذا مجرد مثال يمكن سحبه وبطرق شتى على جل مجتمعاتنا وبرمتها من المحيط إلى الخليج، وهنا يجب التمييز حقا بين الموقف الثقافي والفكري، وبين الفترة التاريخية من صعود أو انخفاض من نسبة الإنتاج. وهنا يمكن طرح هذا السؤال على النخبة المثقفة الجزائرية المعاصرة: هل هناك تطور نوعي ونقدي في الموقف الثقافي الجزائري منذ اندلاع حرب التحرير الوطني إلى هذه اللحظة؟ أعتقد بأن الإجابة على هذا السؤال تتطلب دراسات عميقة وجدية ومسؤولة. ولكن يمكن القول بسرعة إن هناك قفزة سلبية جدا يلاحظها الجميع، وتتمثل في نكوص الموقف الثقافي بشكل عام، وانحرافه بشكل خاص ومؤلم وخطير. إن هذا الانحراف يبدو واضحا في الظواهر الرأسمالية البشعة، وفي تحويل الدولة إلى حكومة، وتحويل الحكومة إلى شبه وكالة تسير بها الجهوية والمصالح الشخصية.
تغيّر في الموقف الثقافي ولكنه تغير قد شرع في تفكيك الوطنية ومحوها تدريجيا في النفوس وفي الممارسات، الأمر الذي يؤكد وجود وطن بدون وطنيين.
وماذا عن التطور إلى الأمام والتطور إلى الأعلى؟
يقول الدكتور زكي نجيب محمود: ''أما التطور الثقافي إلى أعلى، فمعناه أن يرتفع الهرم الثقافي على قاعدة أعرض وإلى قمة أعلى، والقاعدة الأوسع هي التي تمحى فيها الأمية عن أكبر عدد ممكن من المواطنين، والقمة الأعلى هي أن تبلغ رسالتنا الثقافية إلى ما وراء حدودنا بحيث يسمعها العالم كله إذا أمكن...''. أما التطور إلى الأمام فيعرفه هكذا: ''وأما التطور إلى الأمام فمقياسه أسهل لأنه إنما يقاس بمقدار لحاقنا بركب الحضارة العصرية في علومها وفنونها''.
إذا أخذنا هذه التعريفات كمعيار فإننا نحصل على نتيجة مرعبة حقا، وهي أننا لم نقض على الأمية، بل إن التغير الذي حصل في هذا المجال هو إضافة ''أميات جديدة'' أخرى إلى أمية القراءة والكتابة. من هذه الأميات الجديدة نذكر الأمية الأخلاقية، والأمية المهنية، وأمية المبادئ الوطنية العليا وهلم جرا، وكذلك، فإن أجزاء كبيرة من مقوماتنا الثقافية فقد أبقيناها في مدارج البدائية، والانفعالية والغريزية، ولم تتحول قيد أنملة إلى وازع حضاري، ويكاد المرء يقول بأنه لا توجد لدينا رسالة ثقافية. وبمعنى آخر فإننا لم نتطور إلى الأعلى. أما بخصوص التقدم إلى الأمام، فنحن لم نلحق بركب الحضارة المعاصرة، بل إننا تتقدم فعلا وفقط إلى الوراء وكأننا نصر أن على نعود إلى ما كان عليه الإنسان الأول.

امير الحب
30-09-2009, 11:43
http://i85.servimg.com/u/f85/13/95/98/10/47728811.gif