مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الفاتحة


حسام الدين احمد
31-08-2009, 22:34
تفسير سورة الفاتحة

سورة الفاتحة سميت بذلك؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة..
هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سميت "أم القرآن

وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنها رقية: إذا قرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: "وما يدريك أنها رقي

(الحمد لله رب العالمين)

أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ و "أل" في { الحمد } للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد..
و "الله" اسم ربنا عز وجل؛ لا يسمى به غيره؛ ومعناه: المألوه . أي المعبود حبا، وتعظيما..
قوله تعالى: { رب العالمين }؛ "الرب" : هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور؛ و{ العالمين }: قال العلماء: كل ما سوى الله فهو من العالم؛ وصفوا بذلك؛ لأنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته..

فوائد الآية:

1- إثبات الحمد الكامل لله عز وجل
2- أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" ..
3- تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية
4- عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى:(العالمين.. )

(الرحمن الرحيم)

قوله تعالى: { الرحمن الرحيم }: { الرحمن } صفة للفظ الجلالة؛ و{ الرحيم } صفة أخرى؛ و{ الرحمن } هو ذو الرحمة الواسعة؛ و{ الرحيم } هو ذو الرحمة الواصلة؛

فوائد الآية:

1- إثبات هذين الاسمين الكريمين . { الرحمن الرحيم } لله عز وجل
2- أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة؛ لأنه تعالى لما قال: { رب العالمين } كأن سائلا يسأل: "ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ، وانتقام؛ أو ربوبية رحمة، وإنعام؟" قال تعالى: { الرحمن الرحيم }..

(مالك يوم الدين)

{ مالك يوم الدين } صفة لـ{ الله }؛ و{ يوم الدين } هو يوم القيامة؛ و{ الدين } هنا بمعنى الجزاء؛ يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازى فيه الخلائق؛

وفي قوله تعالى: { مالك } قراءة سبعية: { ملك}، و "الملك" أخص من "المالك"..
وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة؛ وهي أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلق من يكون ملكا، ولكن ليس بمالك: يسمى ملكا اسما وليس له من التدبير شيء؛ ومن الناس من يكون مالكا، ولا يكون ملكا: كعامة الناس؛ ولكن الرب عز وجل مالك ملك

فوائد الآية:


1- إثبات ملك الله عز وجل، وملكوته يوم الدين
2- إثبات البعث، والجزاء؛ لقوله تعالى: ( مالك يوم الدين )
3- حث الإنسان على أن يعمل لذلك اليوم الذي يدان فيه العاملون..



(إياك نعبد وإياك نستعين)


{ إياك نعبد }؛ { إياك }: مفعول به مقدم؛ وعامله: { نعبد }؛ وقدم على عامله لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك؛
و{ نعبد } أي نتذلل لك أكمل ذل؛ ولهذا تجد المؤمنين يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلا لله عز وجل: يسجد على التراب؛ تمتلئ جبهته من التراب . كل هذا ذلا لله؛ ولو أن إنسانا قال: "أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي" ما وافق المؤمن أبدا؛ لأن هذا الذل لله عز وجل وحده..
و "العبادة" تتضمن فعل كل ما أمر الله به، وترك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد
الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادرا عليها؛ وأما إذا لم يكن قادرا فإنه لا يجوز أن تستعين به: كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام؛ بل شرك أكبر؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئا؛ فكيف يعينه!!!

فوائد الآية:

1- إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: { إياك نعبد }
2- إخلاص الاستعانة بالله عز وجل؛ لقوله تعالى: { وإياك نستعين }

(اهدنا الصراط المستقيم)

{ اهدنا الصراط المستقيم }: { الصراط } فيه قراءتان: بالسين: {السراط} ، وبالصاد الخالصة: { الصراط }؛ والمراد بـ{ الصراط } الطريق؛ والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: { اهدنا الصراط المستقيم } تسأل الله تعالى علما نافعا، وعملا صالحا؛ و{ المستقيم } أي الذي لا اعوجاج فيه.

فوائد الآية:

1- لجوء الإنسان إلى الله عز وجل بعد استعانته به على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدل عليه قوله تعالى: { إياك نعبد }؛ ومن استعانة يتقوى بها على العبادة؛ يدل عليه قوله تعالى: { وإياك نستعين }؛ ومن اتباع للشريعة؛ يدل عليه قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم }؛ لأن { الصراط المستقيم } هو الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم
2- بلاغة القرآن، حيث حذف حرف الجر من { اهدنا }؛ والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية: التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق
3- أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج؛ فما كان موافقا للحق فهو مستقيم، كما قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} [الأنعام: 153] ؛ وما كان مخالفا له فهو معوج..

(صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم } عطف بيان لقوله تعالى: { الصراط المستقيم }؛ والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(النساء: 69)
قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم }: هم اليهود، وكل من علم بالحق ولم يعمل به..
قوله تعالى: { ولا الضالين }: هم النصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من عمل بغير الحق جاهلا به.

فوائد الآية:

1- ذكر التفصيل بعد الإجمال؛ لقوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم }: وهذا مجمل؛ (صراط الذين أنعمت عليهم ): وهذا مفصل؛ لأن الإجمال، ثم التفصيل فيه فائدة: فإن النفس إذا جاء المجمل تترقب، وتتشوف للتفصيل، والبيان؛ فإذا جاء التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبوله متشوفة إليه؛ ثم فيه فائدة ثانية هنا: وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم..
2- إسناد النعمة إلى الله تعالى وحده في هداية الذين أنعم عليهم؛ لأنها فضل محض من الله..
3- انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم؛ وقسم مغضوب عليهم؛ وقسم ضالون؛
4- أسباب الخروج عن الصراط المستقيم: إما الجهل؛ أو العناد؛ والذين سبب خروجهم العناد هم المغضوب عليهم . وعلى رأسهم اليهود؛ والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل كل من لا يعلم الحق . وعلى رأسهم النصارى؛ وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة . أعني النصارى؛ أما بعد البعثة فقد علموا الحق، وخالفوه؛ فصاروا هم، واليهود سواء . كلهم مغضوب عليهم..
5- لاغة القرآن، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدال على أن الغضب عليهم حاصل من الله تعالى، ومن أوليائه..
6- أنه يقدم الأشد، فالأشد؛ لأنه تعالى قدم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأنهم أشد مخالفة للحق من الضالين؛ فإن المخالف عن علم يصعب رجوعه . بخلاف المخالف عن جهل..
من تفسير القران للعثيمين

أنيس الجيجلي كعواش
31-08-2009, 23:14
مشكور على هذا التفسير و جعله الله في ميزان حسناتك .........جزاك الله خيرا