مشاهدة النسخة كاملة : زهرة الليمون 2


lahcen73
07-11-2009, 20:35
يوم لم يشبه أي يومٍ آخر أعلن فيه هزيمته عندما لفحته رائحة زهر الليمون التي انتشرت كشعاع شمسٍ بلله الندى في أرجاء المكتبة لدى دخولها المكان؛ كان يجلس وعيناه تبحر في صفحات الكتاب حينما تسللت الرائحة وضمته بدفئ فراح يبحث عن مصدرها؛ رفع عينيه ليلتقي ببحرٍ آخر لم يكن يدرك يوماً أنه سينسى فنون السباحة فيغرق فيه على الفور وكانت هي بثوبها الأبيض الطويل وكأنه موسم ياسمين لا ينتهي بصوتٍ خجول قالت:

-مساء الخير، أليس "طريق الحرير" هو الكتاب الذي تقرأ؟

نظرت إليه مستغربةً استغراقه في التفكير باحثاً عن جواب ولم تدري أنها أحدثت إعصاراً في قلبٍ لم يعتد العواصف يوماً؛ أثناء محاولته لملمة نفسه أدرك وائل نظرتها الحائرة فرد على عجل:

-نعم إنه هو.
-هل لي باستعارته فور انتهائك من قرائته؟ لقد بحثت عنه كثيراً لكن على ما يبدو لا يوجد سوى نسخة واحدة منه في المكتبة.

كان سؤالها بالنسبة له وكأنه عزف على قيثارة؛ ابتسم ابتسامة واثقة يخفي خلفها تطاير الأفكار والمشاعر وتصادمها في أرجاء روحه ثم قال:

-لست مستعجلاً، تستطيعين أخذه الآن وإعادته لي حين تفرغين منه.
بابتسامة ساحرة ردت: -سأحاول رده لك في أسرع وقت، شكراً.

ثم مضت مخلفةً ورائها صمتاً مطلقاً وبقايا ذاكرة عن شجرة ليمون تنام هناك في صحن بيتٍ ينتظر عودته بفارغ الصبر، على صدى الذكرى استفاق قلبه التائه في صوتها ونظرتها ليعلو صوت عهدٍ قطعه لوالديه يوماً مذكراً إياه أن لا مكان للحب في قلبه ها هنا في عاصمة العشاق.

مرت ساعات يومه وكأنها تأبى الرحيل وهو يحاول جاهداً إبعاد طيفها عن مخيلته فشرع يحصي كل ما تقع عينه عليه حتى أوراق الشجر في محاولة يائسة لصرف صورتها التي باتت اقرب من عينه لعينه وأبعد من السماء عن الأرض.

نجحت محاولته أخيراً واستسلم للنوم لكن حلماً يشبه الحقيقة كان كفيلاً بإضاءة غرفته وكأن فجراً باكراً خصه قبل كل الناس ببداية نهار جديد.
حينها كان وائل قد اتخذ قراره وعزم على خوض التجربة مهما كانت نتيجتها، حلق ذقنه،ارتدى أجمل ملابسه ونزل من غرفته مسرعاً يسابق موعداً لا موعد له. وصل إلى المكتبة التي لم تكن قد فتحت أبوابها بعد، ظل يحسب خطواته الراقصة صعوداً ونزولاً على درج المكتبة الذي تحول إلى مفاتيح بيانو تعزف لحناً مضطرباً يشبه حاله، نغماتٌ غريبة أخلت بالإيقاع وأعلنت وصول موظفة المكتبة التي نظرت إليه وكأنه كائنٌ من كوكبٍ آخر وهي نفسها التي اعتادت رؤيته يتنقل بين رفوف المكتبة مراراً مذ التحق بالجامعة.
دخل المكتبة وكأنه أحد موظفيها وراح يتنقل في أرجائها كمن يتمشى في حديقةٍ لم يزرها قط ثم قطف كتاباً لم ينتبه لعنوانه وجلس يطالعه وهو شارد الذهن غائب في ذكرى اللقاء الأول الذي ظل يراوده حتى جاء صوت الموظفة يخبره بإنتهاء الدوام.

خرج من المكتبة متوجهاً لمطعم يقدم وجبات سريعة تناقض نهاره الطويل، تناول وجبته وعاد إلى غرفته التي لم يشتاق فيها إلا لوسادته الوحيدة التي تشاركه أفكاره في بلادٍ غريبة.

قد يكون من المبالغة رواية أحداث هذا اليوم بتفاصيلها ذاتها مراراً على مدة اسبوع، لكنها حقيقة ما جرى؛ نعم لقد أمضى وائل اسبوعاً كاملاً على هذا النحو حتى بدأ يستاء من وضعه فهو لم يكن على هذا الحال يوماً لذلك قرر أخيراً إنهاء محاولاته اليائسة والعودة إلى جامعته ودروسه التي هجرها على مدة أيامه السبع الماضية. جمع كتبه وعاد ليسكن معطفه القديم ثم غادر غرفته متجهاً نحو جامعته التي تبعد خطوات.

لدى وصوله أثار استغرابه تجمع لعدد من الطلاب وجلبة لم يعتدها في الجامعة طوال العامين الماضيين اقترب حتى يستطلع السبب، من بين رؤوس المتجمعين بدأت تتضح الصورة له، كان الدم السائل من أنف أحدهم على قلته العنصر الوحيد الذي استرعى انتباهه ثم ضاع تأثير الصورة وراء صراخ باللغة العربية التي بدأ يفتقدها: -الله أكبر منكم ومن يلي زيكم.

رغم أن الجماعة التي كانت تضربه لم تفهم ما قاله إلا أن كلامه بالعربية استفزهم وصارت ضرباتهم موجعة أكثر. اخترق وائل الجمع كمن يهب لنصرة أخٍ اكتشف وجوده تواً، راح يشارك في القتال بكل قوته ثم انقطع شريط ذاكرته حتى وجد نفسه في مكتب عميد الجامعة وحالته ماعادت على حالها، ما إن استرجع ادراكه لكل ما يدور حوله حتى انتبه أن العميد يوجه كلامه له قائلاً:

-للحقيقة أني متفاجئ من وجودك هنا اليوم، ولا أعلم لماذا زججت نفسك في مثل هذا الأمر ونحن نعلم تماماً حسن سلوكك واجتهادك. ثم بلهجة تهديدٍ خافتة أضاف:
-هذه المرة لن أضيف ما حصل لسجلك، لكن أي تصرف مشابه سيكون لعقابه أسوء أثر على مستقبلك العلمي والمهني في هذه البلاد.

قبل أن يدرك وائل تماماً ما يجري قاطعهما صوت دقاتٍ هادئة على الباب. فُتح الباب كما يفتح باب الجنة وأطلت يسبقها عطرها، لم يدري وائل حينها إن كان يعيش حقيقة أم أن الضربات التي تلقاها أفقدته عقله؛ أهو صوتها يعزف من جديد؟ أهي أزهار الليمون نفسها التي حرمت ليله النوم؟ في تلك اللحظة لم يعد للألم أثر ولا للخوف من الغد معنى؛ التفت وائل ليراها تقف بكامل هيبة الأنوثة محاطة بهالة من الحلم. كان اللقاء مخالفاً تماماً لكل المشاهد التي أعاد كتابتها مراراً في مخيلته، فهو لم يتصور أبداً أنها ستلقاه وهو على هيئته هذه بملابسه الملطخة بالدم والتراب وشعره المتناثر على جبينه في لحظةٍ من هروبٍ وأمل يشاركه فيها كل من في الغرفة إلاها....

يتبع.....